رمضان وقيم لا تنتهي
date_range منذ أسبوع
نستحضر شهر رمضان في قلوبنا لا كشهر عابر بل كحالة تعيد تشكيل ارواحنا وتوقظ في داخلنا معاني كامنة. في هذا الشهر لا يصوم الجسد وحده بل تصوم الروح عن الغفلة وتبدأ النفس في رحلة مراجعة هادئة تعيد فيها ترتيب اولوياتها وتقترب اكثر من حقيقتها رمضان ليس وقتا محددا بين هلالين بل هو منهج حياة يتسع داخل الانسان فيه يتعلم كيف يضبط نفسه وكيف يقف امام رغباته بوعي لا خضوعا لها بل سيطرة عليها اذ يتعلم الانسان ان الصبر قوة وان الانضباط التزام وان الاخلاص فعل يظهر في التفاصيل قبل الشعارات وعندما تمتد هذه القيم الأخلاقية الى ما بعد رمضان تبدأ ملامح التغيير الحقيقي بالظهور في العمل وفي التعامل مع الأخرى وفي اداء المسؤوليات هنا يظهر اثر شهر رمضان بوضوح ليس في العبادة فقط بل في السلوك اليومي الذي يعكس ما ترسخ في الداخل وفي هذا السياق يبرز نموذج ابي الفضل العباس (عليه السلام) بوصفه صورة متكاملة للوفاء والإخلاص اذ لم يكن موقفه في كربلاء مجرد حدث تاريخي بل كان تعبيرا عمليا عن القيم الأخلاقية العليا عندما توجه الى نهر الفرات ليجلب الماء واجه العطش لكنه اختار ان يقدم غيره على نفسه فكان ذلك موقفا يجسد معنى الايثار والوفاء في اعلى صورة قوله تعالى (ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) بينت الآية الكريمة اعلى درجات الجود والايثار الا وهي تقديم حاجات غيره على نفسه رغم شدة حاجته هذا الموقف لم ينتهي عند لحظته بل تحول الى درس مستمر في معنى الخدمة فالعمل لا يكون له قيمة بمجرد أدائه بل بما يحمله من نية واخلاص والوفاء الذي لا يظهر في الكلمات بل في المواقف التي يختار فيها الانسان ان يكون صادقا في مبادئه مهما كانت الظروف من هنا يصبح العمل اليومي امتدادا لهذه القيم فالموظف او الخادم لا يؤدي اعمال ومهام موكلة اليه بل يحمل مسؤولية أخلاقية اسمى في الابتسامة وحسن التعامل والصبر والأمانة حيث تتجسد القيم بشكل عملي وهذه التفاصيل هي التي تصنع الفرق الحقيقي في المجتمع رمضان يعلمنا ان الوقت مسؤولية وان الالتزام انعكاس لاحترام الذات وان الاخلاص لا يقاس بحجم العمل بل بصدق النية اذ ان من تعود على تنظيم يومه في رمضان يكون قادرا على تنظيم حياته كلها ومن تعود على مراقبة نفسه يصبح اكثر وعيا في كل تصرفاته وعندما ننظر الى واقع الحياة نجد ان القيم تظهر في المواقف البسيطة في انسان يؤدي عمله بإخلاص و في خادم يحرص على راحة الاخرين وفي شخص يتعامل باحترام مع الجميع هذه الممارسات اليومية هي الامتداد الحقيقي لما نتعلمه في رمضان وفي ميادين خدمة الزائرين تتجلى هذه القيم بشكل أوضح حيث يبذل الجهد دون انتظار مقابل ويتحمل التعب في سبيل راحة الاخرين ويكون التعامل قائما على الاحترام والتواضع هنا نرى ان العمل يتحول الى رسالة وتصبح الخدمة انعكاسا صادقا لما يحمله الانسان من قيم أخلاقية ان رمضان لا يغير ايامنا فقط بل يغيرنا نحن. حيث يجعل من الصبر سلوكا ومن الاخلاص عادة ومن الاحسان جزئا من الحياة اليومية وعندما يستمر الانسان على هذه القيم لا يعود رمضان مجرد فترة زمنية بل يصبح حالة مستمرة في داخله. القيم التي نتعلمها في هذا الشهر لا ينبغي ان تنتهي بانتهائه، بل يجب ان تستمر في توجيه سلوكنا واعمالنا فالدنيا في جوهرها انعكاس لما نحمله من مبادئ والعمل يصبح ذا معنى عندما يرتبط بهذه القيم وهكذا يبقى رمضان حاضرا في السلوك، وتبقى كربلاء درسا في الموقف، ويبقى العباس (عليه السلام) نموذجا في الوفاء ومن خلال ذلك يستطيع الانسان ان يجعل من حياته مسارا قائما على الاخلاص والمسؤولية وان يحول ما تعلمه الى واقع يعيشه كل يوم. م . م محمد مهند الموسوي
قراءة المزيد